الحلبي

399

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت ، فو اللّه ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي » فليتأمل الجمع بين ما في السيرة الهشامية وما في غيرها على تقدير صحتهما . « قالت : وقلت لأمي يغفر اللّه لك ، تحدّث الناس بما تحدّثوا به لا تذكرين لي من ذلك شيئا » الحديث . وفي رواية « فقلت لأمي يا أماه يتحدّث الناس » وفي لفظ « قلت لأمي يغفر اللّه لك ، تحدّث الناس بما تحدثوا ألا تذكرين لي من ذلك شيئا ؟ قالت : يا بنية هوّني عليك » وفي لفظ « خفضي عليك الشأن ، فو اللّه لقلما ما كانت امرأة قط وضيئة » أي جميلة « عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها » أي القول في تنقيصها . وفيه أن ضرائرها أمهات المؤمنين لم يكنّ السبب في إشاعة ذلك ولم ينقصنها به ، إلا أن يقال ظنت أمها ذلك على ما هو العادة في ذلك « وعند ذلك قالت : فقلت : سبحان اللّه ولقد تحدّث الناس بهذا ؟ أي وقلت قد علم به أبي ؟ قالت نعم ، قلت : ورسول اللّه ؟ قالت : نعم ، فاستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ فقالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ، ففاضت عيناه ، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع » أي لا يرتفع « ولا اكتحلت بنوم في الليلة الثانية كذلك ، ولما أصبحت أصبح أبواي عندي يظنان أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي أي وهما يبكيان وأهل الدار يبكون ، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي » وسمعت من بعض الشيوخ أن هرّة كانت بالبيت جالسة تبكي أيضا « فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسلم ثم جلس ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث صلى اللّه عليه وسلم شهرا لا يوحى إليه في شأني ، فتشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين جلس . ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللّه تعالى تاب اللّه عليه » . قال بعضهم : دعاها إلى الاعتراف ولم يأمرها بالستر ، أي مع أنه المطلوب ممن أتى ذنبا لم يطلع عليه . وفي لفظ . « قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتق اللّه ، فإن كنت قارفت » أي اكتسبت « سواء مما يقول الناس ، فتوبي إلى اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى يقبل التوبة عن عباده . قالت : فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقالته قلص دمعي » أي ارتفع « حتى ما أحس منه بقطرة . فقلت لأبي : أجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما قال . قال : فو اللّه لا أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقالت :